زكريا القزويني

131

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

فأما التي لا تعيش إلا في الماء فلا حاجة لها إلى استنشاق الهواء ؛ لأن الباري تعالى لما خلقها في الماء جعل حياتها منه ، وجعلها على طبيعة الماء ، وركب أبدانها تركيبا بحيث يصل إليها برد الماء وروح الحرارة الغريزية التي في بدنها ، وينوب عن استنشاق الهواء ؛ فلذلك تراها لا صوت لها لفقد الرئة التي لا حاجة لها إليها . والحكمة الإلهية اقتضت أن يكون لكل حيوان أعضاء كثيرة مختلفة ، وكل حيوان يكون أنقص فهو أقل حاجة ، ثم اقتضت أن لكل حيوان أعضاء مشاكلة لبدنه ومفاصل مناسبة لحركاته ، وجلودا صالحة لوقايته ، فجعل أبدان حيوان الماء إما صدفية صلبة لا يعمل فيها الشيء الحاد أو فلوسية أو ما شاكلهما غطاء ووقاية من العاهات العارضة ، وجعل لبعضها أجنحة وأذنابا تسبح في الماء كما يطير في الهواء ، وجعل بعضها آكلا وبعضها مأكولا ، وجعل نسل المأكول أكثر لبقاء أشخاصها ، فسبحانه ما أعظم شأنه ! ( ولنذكر ) بعض حيوان الماء وعجائبه وخواصه على ترتيب حروف المعجم ، واللّه أعلم بالصواب . ( أرنب البحر ) هو حيوان رأسه كرأس الأرنب ، وبدنه كبدن السمك . قال الشيخ الرئيس ابن سينا : هو حيوان صدفي إلى الحمرة ما بين أجزائه ، شبيه بورق الأشنان ، ينفي الكلف والبهق ، ورأسه تحرق لتنبت الشعر في داء الثعلب سيما مع شحم الدب . ( إليس ) نوع من السمك عظيم جدّا ، وحيوانات الماء كلها تصطاد إلا هذه السمكة ، من خواصها أنه لو شوي وأطعم شخصان منه وكان بينهما خصومة شديدة تبدلت بالمحبة . ( إنسان الماء ) يشبه الإنسان إلا أنه له ذنبا ، وقد جاء شخص بواحد منه في زماننا في بغداد ، فعرضه على الناس ، وشكله على ما ذكرناه ، وقد ذكر أنه في بحر الشام ببعض الأوقات يطلع من الماء إلى الحاضر إنسان ، وهو ذو لحية بيضاء يسمونه شيخ البحر ، ويبقى أياما ثم ينزل فإذا رآه الناس يستبشرون بالخصب . وحكي أن بعض الملوك حمل إليه إنسان مائي ، فأراد الملك أن يعرف حاله فزوجه امرأة فجاء منها ولد يفهم كلام الأبوين ، فقيل للولد : ماذا يقول أبوك ؟ قال : يقول أذناب الحيوانات كلها على أسافلها ، ما بال هؤلاء أذنابهم على وجوههم !